أحمد بن محمد الهمذاني ( ابن الفقيه الهمذاني )
57
البلدان
بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر قال ، قال الفضل بن يحيى : الناس أربع طبقات : ملوك قدّمهم الاستحقاق ، ووزراء فضّلهم الفطنة والرأي ، وعليه أنهضهم اليسار ، وأوساط ألحقهم بهم التأدّب ، والناس بعدهم زبد جفاء وسيل غثاء لكع ولكاع وربيطة اتّضاع ، همّ أحدهم طعمه ونومه . وقال معاوية للأحنف : صف لي الناس . فقال : رؤوس رفعهم الحظَّ ، وأكتاف عظَّمهم التدبير ، وأعجاز شهرهم المال ، وأدباء ألحقهم بهم التأدّب ، ثم الناس بعدهم أشباه البهائم ، إن جاعوا ساموا ، وإن شبعوا ناموا . وقال بزرجمهر لرجل : إن أردت أن تبلغ أحظى درجة الآداب وأهلها ، فاصحب ملكا أو وزيرا ، فإنهما برغبتهما في معرفة أيّام الملوك وأخبارهم ، والآداب وأهلها ، وقسمة الفلك ونجومه ، يبعثانك على طلب ذلك . قال : فما وسيلتي إليهما ؟ قال : انتحال ذلك رسم الإدراك ، والطلب مادّة الوجود والآداب عند الهمّة . وقال أسامة بن معقل : كان السّفّاح راغبا في الخطب والرسائل ، يصطنع أهلها ويثيبهم عليها ، فحفظت ألف رسالة وألف خطبة طلبا للحظوة عنده فنلتها ، وكان المنصور بعده معنيّا بالأسمار والأخبار وأيّام العرب ، يدني أهلها ويجيزهم عليها . فلم يبق شيء من الأسمار والأخبار إلَّا حفظته طلبا للقربة منه ، فظفرت بها . وكان موسى مغرما بالشعر يستخلص أهله فما تركت بيتا نادرا ، ولا شعرا فاخرا ، ولا نسيبا سائرا إلَّا حفظته ، وأعانني على ذلك طلب الهمّة في علوّ الحال . ولم أر شيئا أدعى إلى تعلَّم الآداب من رغبة الملوك في أهلها وصلاتهم عليها . ثم زهد هارون الرشيد في هذه الأربعة وأنسيتها حتى كأنّي لم أحفظ منها شيئا . دخل الشّعبيّ على الحجّاج فقال :